الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
57
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
المسلمين ، ولهذا كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يأمر أصحابه بكتابة ما يوحى به إليه وتعريف الْقَلَمِ تعريف الجنس . فالقسم بالقلم لشرفه بأنه يكتب به القرآن وكتبت به الكتب المقدسة وتكتب به كتب التربية ومكارم الأخلاق والعلوم وكل ذلك مما له حظ شرف عند اللّه تعالى . وهذا يرجحه أن اللّه نوّه بالقلم في أول سورة نزلت من القرآن بقوله : اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [ العلق : 3 - 5 ] . و ما يَسْطُرُونَ هي السطور المكتوبة بالقلم . و ما يجوز أن تكون موصولة ، أي وما يكتبونه من الصحف ، ويجوز أن تكون مصدرية ، والمعنى : وسطرهم الكتابة سطورا . ويجوز أن يكون قسما بالأقلام التي يكتب بها كتّاب الوحي القرآن ، وَما يَسْطُرُونَ قسما بكتابتهم ، فيكون قسما بالقرآن على أن القرآن ما هو بكلام مجنون كما تقدم في قوله تعالى : وَالْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا في سورة الزخرف [ 2 - 3 ] ، وتنظيره بقول أبي تمام : وثناياك إنها إغريض . . . البيت و يَسْطُرُونَ : مضارع سطر ، يقال : سطر من باب نصر ، إذا كتب كلمات عدة تحصل منها صفوف من الكتابة ، وأصله مشتق من السّطر وهو القطع ، لأن صفوف الكتابة تبدو كأنها قطع . وضمير يَسْطُرُونَ راجع إلى غير مذكور في الكلام وهو معلوم للسامعين لأن ذكر القلم ينبئ بكتبة يكتبون به فكان لفظ القسم متعلقا بآلة الكتابة والكتابة ، والمقصود : المكتوب في إطلاق المصدر على المفعول ، فهو بمنزلة الفعل المبني للمجهول لأن الساطرين غير معلومين ، فكأنه قيل : والمسطور ، نظير قوله تعالى : وَكِتابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ [ الطور : 2 - 3 ] . ومن فسر الْقَلَمِ بمعنى تعلق علم اللّه تعالى بما سيكون جعل ضمير يَسْطُرُونَ راجعا إلى الملائكة فيكون السّطر رمزا لتنفيذ الملائكة ما أمر اللّه بتنفيذه حين تلقي ذلك ، أي يكتبون ذلك للعمل به أو لإبلاغه من بعضهم إلى بعض على وجه لا يقبل الزيادة ولا